كيف نكتشف الوظيفة القادمة للتقنية قبل أن يكتشفها السوق؟
حين ننظر إلى التقنيات الناجحة اليوم، نميل إلى تفسير نجاحها من خلال السؤال المعتاد: ما الذي صُممت هذه التقنية من أجله؟ لكن ربما يكون السؤال الأكثر أهمية للمستقبل مختلفًا: ما الذي تستطيع هذه التقنية فعله، ولم نكتشف قيمته بعد؟
هذه الفكرة هي محور دراسة حديثة للباحث Ryan Mitchell Wittingslow، والتي نُشرت في مجلة Technology in Society، ويقترح فيها أداة للاستشراف التقني أطلق عليها Affordance Entrenchment Analysis (AEA)، أو ما يمكن ترجمته إلى «تحليل ترسّخ الإمكانات». والهدف منها ليس التنبؤ بالتقنية القادمة، وإنما اكتشاف التحولات التي تحدث في وظيفة التقنية الحالية قبل أن تصبح واضحة في السوق والمؤشرات المالية.
قصة Nvidia لم تبدأ بالذكاء الاصطناعي
لعل أفضل طريقة لفهم الفكرة هي العودة إلى قصة وحدات معالجة الرسوميات GPU.
لسنوات طويلة، كان من الطبيعي النظر إليها باعتبارها مكوّنًا صُمم لمعالجة الرسومات وألعاب الفيديو. لكن معمارية هذه المعالجات كانت تمتلك خاصية أخرى مهمة: القدرة على تنفيذ أعداد ضخمة من العمليات الحسابية بصورة متوازية. وهذه القدرة لم تكن جديدة. فالجديد كان أن مجتمعًا آخر اكتشف قيمتها.
مع تطور أبحاث تعلم الآلة، بدأ الباحثون باستخدام الـGPU لتدريب الشبكات العصبية. ثم ظهرت الأدوات والمكتبات البرمجية، وتوسعت مجتمعات الباحثين، وبدأ مزودو الخدمات السحابية في توفير بنية تحتية مخصصة لها، إلى أن أصبح استخدام GPU جزءًا أساسيًا من منظومة الذكاء الاصطناعي. والمثير للاهتمام أن هذا التحول كان يمكن ملاحظته قبل أن يظهر بوضوح في أرقام Nvidia.
فحتى السنة المالية المنتهية في يناير 2018، كانت الألعاب تمثل نحو 57% من إيرادات الشركة، مقابل نحو 20% لمراكز البيانات. ولم تتجاوز إيرادات مراكز البيانات إيرادات الألعاب إلا في الربع الثاني من عام 2020.
لكن لو كان المحلل يراقب المجتمعات البحثية، والمكتبات البرمجية، والبنية التحتية، والمعايير الجديدة التي كانت تتشكل حول استخدام الـGPU، لكان قد رأى تحولًا مختلفًا قبل أن تؤكده الأرقام بسنوات.
وهنا تكمن الفكرة الاستشرافية المهمة: السوق قد يكون من آخر الأماكن التي يظهر فيها التحول، وليس أولها.
ثلاثة أسئلة للبحث عن الوظيفة القادمة
بدل أن نراقب المبيعات وحجم السوق ومعدلات التبني فقط، يقترح الباحث توجيه الانتباه إلى ثلاثة أسئلة.
الأول: ما القدرات الكامنة في التقنية؟ أي: ماذا تستطيع التقنية أن تفعل، لكن الاستخدامات الحالية لا تستفيد منه؟
قد تكون هناك قدرة هندسية أو حسابية تتجاوز متطلبات الاستخدام الحالي، أو خاصية تبدو اليوم هامشية، لكنها قد تصبح ذات قيمة كبيرة إذا ظهر مجال جديد يحتاج إليها. والهدف هنا ليس التنبؤ بأي قدرة ستنجح، وإنما رسم مساحة الاحتمالات الممكنة للتقنية.
الثاني: هل يتشكل مجتمع جديد حول إحدى هذه القدرات؟ فالقدرة التقنية وحدها لا تصنع المستقبل.
يصبح الأمر أكثر أهمية عندما يبدأ مجتمع من الباحثين أو المطورين أو الشركات في استخدامها لغرض جديد، ثم يطور هذا المجتمع لغته الخاصة وأدواته ومعاييره لما يعتبر أداءً جيدًا أو سيئًا.
ومن الإشارات التي يمكن مراقبتها هنا: الأبحاث، والمؤتمرات المتخصصة، والأدوات الجديدة، والوظائف التي تطلب مهارات مرتبطة بهذا الاستخدام، والاستثمارات والبنية التحتية التي تبدأ بالتشكل حوله.
الثالث: هل بدأ الاستخدام الجديد يترسخ؟ وهذه ربما أهم مرحلة.
فكثير من الاستخدامات الجديدة تظهر ثم تختفي. لذلك لا يكفي أن نجد تجارب مثيرة أو اهتمامًا إعلاميًا. يبدأ الترسخ الحقيقي عندما تتحول التجارب إلى بنية تحتية، ومعايير، واستثمارات، وبرامج تدريب، وممارسات مهنية ومؤسسات لديها مصلحة مستمرة في بقاء هذا الاستخدام. وكلما اجتمعت هذه الإشارات، أصبح احتمال أننا أمام تحول حقيقي في وظيفة التقنية أكثر جدية.
وهل يحدث الشيء نفسه الآن مع الذكاء الاصطناعي؟
يستخدم الباحث نماذج اللغة الكبيرة LLMs كمثال استشرافي.
فنحن اعتدنا تقييمها باعتبارها أنظمة لتوليد النصوص والمحادثة والإجابة عن الأسئلة. لكن المعمارية نفسها بدأت تُستخدم في وظائف أخرى: البرمجة، والاستدلال، وتوليد الفرضيات، وتنفيذ مهام متعددة الخطوات باستخدام الأدوات.
ومن أكثر الأمثلة وضوحًا اليوم ما يعرف بـ Agentic AI. السؤال هنا ليس: هل الوكلاء الأذكياء سينجحون؟ بل: هل نشاهد حولهم العلامات المبكرة لتشكل وظيفة جديدة للـLLMs؟
هناك بالفعل مؤشرات مثيرة للاهتمام: مؤتمرات ومسارات بحثية متخصصة، وظهور معايير تقييم مثل AgentBench وSWE-bench وWebArena، وأطر لبناء أنظمة متعددة الوكلاء، واستثمارات متزايدة في البنية التحتية والأدوات المرتبطة بها.
لكن الباحث يتوقف هنا، فالاعتراف المؤسسي والتنظيمي بهذا المجال لا يزال أضعف من تطور المجتمع التقني والبنية التحتية المحيطة به. ولذلك لا يمكن القول حتى الآن إن Agentic AI أصبح وظيفة مستقرة جديدة لنماذج اللغة.
الإشارات موجودة، لكن المستقبل لم يُحسم.
وهذا تحديدًا ما يحتاجه الاستشراف
القيمة في هذه الفكرة أنها تغير زاوية المراقبة. عند استشراف مستقبل التكنولوجيا، ربما لا ينبغي أن نبحث دائمًا عن «التقنية القادمة». أحيانًا تكون التقنية القادمة موجودة أمامنا بالفعل، لكن الوظيفة التي ستجعلها مهمة لم تظهر بعد. لذلك، إلى جانب مراقبة حجم السوق والاستثمارات والإيرادات ومعدلات التبني، ربما علينا مراقبة أسئلة أكثر عمقًا: ما الذي أصبحت التقنية قادرة على فعله ولم تُبنَ من أجله؟ ومن بدأ يكتشف هذه القدرة؟ وما الذي يُبنى حولها اليوم؟ فالتحولات الكبرى قد تبدأ في مجتمع صغير من الباحثين أو المطورين، ثم تتحول إلى أدوات وممارسات، ثم إلى بنية تحتية ومعايير، وأخيرًا فقط تظهر في السوق.
وهذا ما يجعل AEA أداة مساندة مثيرة للاهتمام للاستشراف. فهي لا تقدم لنا سيناريوهات ولا تدّعي التنبؤ بالمستقبل؛ بل يمكن استخدامها قبل بناء السيناريوهات لاكتشاف التحولات التقنية التي تستحق أن تدخل أصلًا ضمن القوى المحركة التي ندرسها.
ربما كان الدرس الأهم من قصة Nvidia بسيطًا: لا تسأل فقط: ما وظيفة هذه التقنية اليوم؟
اسأل أيضًا: ما الوظيفة التي بدأت تتشكل حولها، قبل أن يكتشفها الجميع؟ لأن اكتشاف التحول بعد ظهوره في الإيرادات يخبرنا بما حدث. أما اكتشافه وهو يتشكل، فقد يمنحنا شيئًا أكثر قيمة: وقتًا للتحرك قبل أن يصبح المستقبل واضحًا للجميع
شكرا.